الاقتصاد بين الحرية والعدالة: أين يقف الإنسان حين تتحول الفرصة إلى امتياز؟
لسنا في حاجة إلى نظريات معقّدة لنشعر بثقل هذا السؤال. يكفي أن ننظر حولنا، أن نُصغي قليلًا إلى صمت الشوارع، وإلى الحكايات التي لا تُروى. هناك، حيث يولد بعضنا وفي يده مفاتيح الطريق، بينما يولد آخرون يبحثون عن باب أصلًا. ومن هنا يبدأ الاقتصاد في كشف وجهه الحقيقي، لا بوصفه أرقامًا صامتة، بل بوصفه موقفًا أخلاقيًا من الإنسان.
الرأسمالية، يا عزيزي، لم تولد قاسية. جاءت وهي تُربّت على كتف الطموح، وتهمس للإنسان: اعمل، واسعَ، وستصل. وكان في هذا الوعد شيء من الصدق. فكم من فكرة صغيرة صارت عالمًا، وكم من جهد فردي غيّر وجه الحياة.
لكن السؤال الذي تأخر طرحه كان أعمق مما ظنّ الجميع: هل بدأنا جميعًا من النقطة نفسها؟
مع مرور الزمن، لم تعد الرأسمالية مجرّد نظام يفتح الأبواب، بل صارت نظامًا يُعيد توزيع المفاتيح. الطبقة البرجوازية لم تستولِ على المشهد دفعة واحدة، بل تسللت إليه بهدوء، حتى صار رأس المال يلد رأس مال، وصارت الفرصة ميراثًا لا احتمالًا. وهنا، عزيزي، بدأ تكافؤ الفرص يتآكل، لا بقرار معلن، بل بتراكم صامت.
نحن متساوون على الورق، نعم، لكن الواقع يبتسم لقلة، ويطالب البقية بالصبر.
وعندما انكشف هذا الخلل، جاءت الاشتراكية وقد رفعت صوتها، وكأنها تقول: كيف نقبل بهذا الظلم؟
سعت إلى توحيد البداية، إلى إزالة الفوارق الحادة، إلى أن يبدأ الجميع من خط واحد. وكان في هذا المسعى قدر من النبل. لكنها، وهي تُمسك بالميزان، ضغطت الكفّين معًا أكثر مما ينبغي.
فلم تكتفِ بتقريب نقطة الانطلاق، بل حاولت التحكم في الطريق كله. صار تكافؤ الفرص تسوية دائمة، لا تميّز بين من اجتهد ومن اكتفى. استقرت الحياة، نعم، لكنها فقدت نبضها.
وهنا نسأل، بهدوء لا يخلو من الحيرة: هل العدالة التي تُجمّد الحلم عدالة كاملة؟
بين هذا وذاك، ظل الإنسان حاضرًا بوصفه متلقيًا للنتائج، لا صانعًا لها.
حتى جاءت الرؤية الإسلامية، لا صاخبة، ولا مندفعة، بل واثقة في نبرتها، واضحة في ميزانها. الإسلام لم يسأل: كيف نُساوي الناس؟
بل سأل سؤالًا أصدق: كيف نمنع الظلم قبل أن يولد؟
اعترف بالفروق بين البشر، لأن الاختلاف سنة، لكنه رفض أن تتحول هذه الفروق إلى جدران. جعل من تكافؤ الفرص التزامًا، لا شعارًا. فالزكاة ليست فضلًا، بل حق يُعيد فتح الطريق لمن أُغلق في وجهه. وتحريم الربا ليس تضييقًا، بل كبحًا لجموح المال حين ينفصل عن العمل. ومنع الاحتكار ليس عداءً للسوق، بل إنقاذًا له من نفسه.
في المجتمع الإسلامي، لا يُترك الإنسان ليبدأ من الصفر إن لم يكن الصفر اختياره. تُزال العوائق، وتُمهّد البداية، ثم يُترك له أن يسعى، أن يُخطئ، أن ينجح. وهنا فقط، يتحقق تكافؤ الفرص بمعناه الإنساني:
بداية عادلة، وطريق مفتوح، ونهاية لا تُفرض ولا تُختطف.
ويبقى السؤال، يا عزيزي، معلقًا بين أيدينا اليوم: هل يمكن لهذا التصور أن يعيش بيننا الآن؟
والجواب ليس في العودة إلى الماضي، بل في استعادة ميزانه. في اقتصاد يعرف السوق، لكنه لا يعبده. يسمح بالربح، لكنه لا يُقدّسه. ويؤمن أن الإنسان أهم من الأرقام، وأن الفرصة العادلة هي أول الطريق، لا آخره.
وهكذا نعود إلى السؤال الأول، وقد صار أكثر نضجًا وأقل حدّة:
الاقتصاد لم يُخلق ليُصنّف البشر،
ولا ليُسكنهم في قوالب جاهزة،
بل ليمنحهم ـ بقدر الإمكان ـ فرصة عادلة للحياة…
ثم يترك لهم شرف السعي.



