الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات البارات، تم عقد قران شقيقتي الصغرى، التي هي أكثر من توأمي في الصغر. أكتب هذا لكِ وأنا أعلم أنك ربما لن تقرأيه؛ لإن لديكِ تعفن دماغي بالفعل، ولكني سأجبرك على قراءته لتعلمي أني أحبك ولكني لا أستطيع البوح بها علنًا لأسبابًا ما.. أكتب هذا وأنا تخالجني وتجتاحني مشاعرُ جمة، من فرح وحنين وحتى بعض من الحزن من الآن، اليوم ذهبتِ لمنزلك الجديد، المنزل الذي ستقضين فيه كل حياتك من الآن وصاعدًا، بيت زوجك العزيز، مؤنس وحبيب أيامك القادمة، بينما نقص بيتنا نحن فردًا وسكن قليلًا، فلقد أعتدنا على صدى صوتك يجلجل البيت بأكمله عندما يأخذ أحد أخواتنا الصغار شيئًا من ممتلكاتك، كنت أضحك كثيرًا في الواقع، فجميعًا نوعًا ما نخاف منكِ بطريقة أو بأخرى، حتى زوجك المسكين يفكر مرتين قبل إغضابك.
أعلم كم وددتِ لو أن أبانا ما زال هنا -وأنا أيضًا وددت ذلك- ليقدمك لعريسك أمام الجمع والملأ، مُعلنًا عن لحظة ذهابك لعش زوجيتك، لكنه قضاء ربي أولًا وأخيرًا، ولا إعتراض على قضاءه سبحانه وتعالى، وليس بيدنا شيء سوى الدعاء له بالرحمة والمغفرة.
أعلم أنك في قرارة نفسك تحاولين كبح دموعك ومشاعرك، وأعلم كم أن ذلك صعب؛ كونك تبدأين حياة ومرحلة جديدة تمامًا عن كل ما مررتِ به، كونك ستكونين شخصًا مسؤولًا بشكل كامل عن منزل، عن حياة وعن أشياء جمة، كم إنه لشيء مخيف أعلم، لكنه مثير أن لا تعلمي ما ستمرين به لكنك تعلمي أنك تستطيعين أن تمسكي بزمام أمورك وأن هناك شخصًا معك يحميكِ ويساندك في تخبطات الحياة.
أعلم كم ستجتاحك الذكريات، تلك التي كانت أمنا ما زالت تجعل الجميع يظن أننا توأم -برغم كوني الأكبر سنًا- من خلال مطابقة ملابسنا سويًا رغم اختلاف الألوان، فقد كنت أعطيك أي شيء لونه أزرق لأنني كنت أعتقد أنه صبياني وآخذ أنا اللون الزهري لأنه بناتي، نعم كانت تلك إحدى بداياتي كأخت كبرى متسلطة -ورغم أن الأزرق أصبح لوني المفضل لاحقًا-. لكني أعلم أنك لم تكوني تمانعين في البداية، كونك كنتِ تنظرين ليّ كقدوة وتحبينني حبًا جمًا، حتى عندما فتحت باب السيارة وقفزت منها أنا وهي على الطريق ظنًا مني أنني سأطير كما أرى في التلفاز حين يحلق الأبطال في أفلامي المفضلة، قفزتِ ورائي لإنك لا تريدين تركي، وحتى عندما حاول ابن خالتي رمييّ في النهر كمزحة سخيفة، صرخت به قائلة أنزل أختي!! رغم كونك ما زلت لم تتعدي الثامنة في ذاك الوقت، يا لها من ذكريات، دائمًا ما نسرد تلك القصص في تجمعاتنا مع العائلة ونضحك عليها بصوتٍ عال حتى تدمع أعيننا من الضحك، ولم يمض الكثير من الوقت حتى بدأنا نكبُر سويًا.
ولم يسعني إلا الشعور بالحنين حينما أدركت أن الوقت مضى سريعًا، وأننا كبرنا وأن مشاغل الدنيا قد جرفتنا، ولا يوجد كابوس لأي شقيق/ شقيقة بكر أسوء من أن يروا ورعانهم الصغار كبروا بعدما كانوا يمشون وراهم في الرايحة والجاية، يطلبون رأيهم ونُصحهم في كل وأي شيء، يحتمون بهم وفيهم، وهم مطمئنون أن أشقائهم الكبار لن يتركوهم لتيارات الحياة أن تجرفهم دون احتواء منهم.
ما زال لدي الكثير لأقوله لكِ ولكني أعلم أسفًا أنك ربما مللتِ فأنتِ لا تحبين كثرة الكلام، وربما تشعرين بأنك مُثقلة ومرتبكة من خطابي هذا، فأختكِ لم تكن قريبة منك كفاية، ولم تكن تخبرك بمشاعرها حتى ظننتِ أنها لا تمتلكها من الأساس، لم تعلم كيف تخبرك بكل ذلك لكنها أخبرتك به في النهاية..
وفي النهاية أدعو ربي أن يُنعم ويبارك لكِ في حياتك الجديدة، وأن يرزقكِ بكل ما تتمنين، وأن يحفظ لك زوجك ويجعله نور أيامك ومنارها وأن تبني ذلك البيت الذي طالما وددتيه، مليئًا بالحب والحنان والدفء، وأن يرزقك ذرية صالحة محبة وبارة لك ولزوجك، هنيئًا لك على أيامك الجديدة وليجعل الله أيامك كلها حنونة ومباركة، وأرجو أن تتذكري أن أختك الحبيبة تحبك كثيرًا وأنها ستكون هناك دائمًا من أجلك تحميكِ من صفعات الحياة وتأخذها بصدرٍ رحب لكي تعيشي بهناء ورخاء.



